الدوحة 2011 دورة عربية استثنائية

كثيرة هي المحطات التي يجدر التوقف عندها بعد إسدال الستار على دورة استثنائية للألعاب العربية في قطر، التي تميزت بنكهة "أولمبية" وبمستوى مرتفع في بعض الرياضات، كما شهدت 14 حالة منشطات معظمها في كمال الأجسام في مشاركتها الأولى وقد تكون الأخيرة بعد الضجة الكبيرة التي أثارتها.

ونالت قطر شهادة تقدير على حسن تنظيمها للدورة من جميع الوفود المشاركة فيها، ومن مسؤولي الاتحادات الرياضية الدولية وأعضاء اللجنة الأولمبية الدولية الذين حضروا تباعاً لمتابعة منافساتها، حتى ذهب البعض إلى تحميل لبنان عبئاً كبيراً في احتضان النسخة المقبلة عام 2015.

وهذه المرة الأولى التي تقام فيها دورة الألعاب العربية في المنطقة الخليجية، إذ بقيت حكراً على مصر ولبنان وسوريا والأردن والمغرب والجزائر، ولم يتردد بعض المسؤولين الرياضيين والدوليين في القول أن قطر نظمت دورة الألعاب العربية على مستوى الدورات الأولمبية.

علامات فارقة

كانت المشاركة في الدورة كثيفة وقياسية لنحو 5500 رياضي ورياضية من 21 دولة، وكانت سوريا الدولة الوحيدة الغائبة بعد إعلان لجنتها الأولمبية عدم المشاركة "احتجاجاً على تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية".

المستوى الفني لبعض المنافسات كان مرتفعاً بوجود عدد لا بأس به من الرياضيين العرب الذين سبق لهم المشاركة في دورتي الألعاب الأولمبية في أثينا 2004 وبكين 2008.

وللمرة الأولى في تاريخ الدورات العربية، تكون منافسات بعض الرياضات مؤهلة إلى دورة الألعاب الاولمبية في لندن الصيف المقبل، وتحديدا في ألعاب القوى والسباحة بعد موافقة الاتحادين الدوليين المعنيين على ذلك.

إذ شكلت هذه المبادرة حافزاً مهما للرياضيين لتقديم أفضل ما لديهم أملاً بالانضمام إلى نجوم العالم في أولمبياد لندن، فسُجلت تسعة أرقام مؤهلة في ألعاب القوى وعشرين رقماً في السباحة، بعض هذه الأرقام كان مؤهلاً مباشرة إلى الألعاب الأولمبية، وعدد منها يحتاج إلى تأكيد فقط من الاتحادين الدوليين المذكورين.

امتازت هذه الدورة أيضاً بالجوائز المالية التي خصصتها اللجنة المنظمة للفائزين بالمراكز الأولى في الألعاب الفردية والجماعية وللجان الأولمبية التي ينتمون إليها، فضلاً عن تخصيص جائزة لأفضل رياضي في الدورة قدرها 70 ألف دولار ذهبت إلى السباح التونسي الأولمبي أسامة الملولي.

كما لقيت قرية الرياضيين التي سميت بـ"قرية العرب" أصداء إيجابية أيضاً من حيث مساهمتها في توثيق روابط المعرفة والصداقة بين الرياضيين العرب.

وسجل في الدوحة رقم قياسي في عدد الميداليات لرياضي واحد، قد يصعب تكراره في المدى المنظور، إذ احتكر الملولي 15 ميدالية ذهبية من أصل 17 سباقاً شارك فيها، حيث أخفق في اثنين، الأول بسبب خطأ فني في 100 م صدراً، والثاني في التتابع 4 مرات 100 م متنوعة مع منتخب بلاده الذي حل ثانياً خلف مصر.

أزمة المنشطات

تفجرت في الدورة الثانية عشرة قضية المنشطات على نطاق واسع بتأكيد اللجنة الطبية فيها وجود 14 حالة خالف أصحابها قوانين المنشطات، إن كان بالتخلف عن الفحص المطلوب أو بوجود مواد محظورة في عيناتهم.

معظم حالات المنشطات ظهرت في منافسات كمال الأجسام، التي أدرجت للمرة الأولى في تاريخ الدورات العربية، ونالت القسط الأكبر من الضجة الإعلامية.

وشُطبت في اليوم قبل الأخير من منافسات الدورة ميداليات الرياضيين الذين أعلن عن مخالفتهم للوائح المنشطات، وسحبت من رصيد الدول التي ينتمون إليها في الجدول العام، ومنها 9 حالات تتعلق برياضيين أحرزوا ميداليات ذهبية (7 في كمال الأجسام و2 في الجودو).

قضية كمال الأجسام لم تمر مرور الكرام مع ارتفاع أصوات في الدورة طالبت بإلغاء هذه الرياضة من الدورات العربية المقبلة، فلم يتردد أمين عام اللجنة الاولمبية الكويتية عبيد العنزي في القول لوكالة الصحافة الفرنسية: "يجب إلغاء نتائج المسابقة في هذه الدورة"، ودعا اتحاد اللجان الأولمبية العربية إلى معاقبة الاتحاد العربي للعبة.

كما قال ساري حمدان رئيس البعثة الأردنية في الدورة: "أنا من المتحمسين جداً لقرار إلغاء رياضة كمال الأجسام من الدورات العربية نظراً لوجود معظم الحالات الإيجابية في فحوصات المنشطات في منافساتها"، وشدد حمدان: "يجب اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في المستقبل لمنع هذه الحالات في الدورات العربية، فوجود 14 حالة إيجابية تتعلق برياضيي أكثر من دولة مؤشر خطر".

تجاذب في رفع الأثقال

شهدت الدورة تجاذباً بين اللجنة المنظمة من جهة، والدول المشاركة واتحاد اللجان الأولمبية العربية من جهة أخرى، ففي حين أعلنت قطر أنها ستعتمد ميدالية ذهبية واحدة لكل وزن في هذه المسابقة، طالبت الدول المشاركة بثلاث ذهبيات (واحدة في النتر وواحدة في الخطف وأخرى في المجموع).

فعبد أن احتسبت في اليوم الأول للمنافسات ثلاث ميداليات ذهبية في كل وزن وأضيفت الميداليات إلى الجدول العام للترتيب، سحبت في اليوم الثاني واحتسبت ذهبية واحدة فقط.

ورفض مندوبو 17 دولة مشاركة في المسابقة تقليص عدد الميداليات، ووصل الأمر إلى حد التهديد بالانسحاب بعد أن وقعوا عريضة في هذا الشأن.

لكن الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس اللجنة المنظمة أكد أن ما يطبق في رياضة رفع الأثقال هو ما يعمل به حسب التنظيم الأولمبي، وقال الشيخ سعود: "عملنا في هذه الدورة أن يكون التنظيم مطابقاً للتنظيم الأولمبي خاصة أن لدينا في هذه الدورة ألعاباً مؤهلة إلى أولمبياد لندن".

فيما أصدر اتحاد اللجان الأولمبية العربية بياناً جاء فيه أنه سيعتمد نظام الاتحاد الدولي للعبة الذي يمنح ثلاث ميداليات ذهبية في كل وزن وليس النظام الأولمبي وذلك كما هي العادة في الدورات العربية السابقة، لكن احتسبت ذهبية واحدة في الجدول النهائي للترتيب.

إرث مهم

تحدث الشيخ سعود بن عبد الرحمن عن الإرث المهم الذي ستتركه النسخة الثانية عشرة على مستويات مختلفة، مؤكداً في هذا الصدد: "أردناها نقلة نوعية في الدورات العربية، فهدفنا من إقامة الدورة ليس الاستضافة فقط، بل أن نضع أسس انطلاقة الرياضة العربية، والانطلاقة العربية إلى العالمية من حيث التنظيم والمستوى".

وأضاف: "للمرة الأولى نجعل الدورة مؤهلة إلى الدورات الأولمبية، وقد بدأنا في الاتحادات الرياضية الرئيسية كالسباحة وألعاب القوى، وستنضم إليهما الجمباز في الدورة المقبلة في لبنان عام 2015 مع اعتماد الشروط المطلوبة من أجهزة التوقيت وفحوصات المنشطات".

إلى اللقاء في لبنان

تسلم لبنان علم الدورة أمس مثقلاً بمسؤوليات كبيرة وتحديات جمة لأن المقارنة المباشرة تبقى في معظم الأحيان مع النسخة الأخيرة، وأسندت الجمعية العمومية لاتحاد اللجان الوطنية العربية في 10 الجاري شرف استضافة الدورة الثالثة عشرة عام 2015 إلى لبنان، لتكون المرة الثالثة التي سيحتضن فيها هذه الألعاب بعد عامي 1957 و1997.

وأعربت قطر عن استعدادها لمساعدة لبنان في الإعداد للدورة المقبلة، على صعيد المعلومات والخبرات الإدارية، وحصل اجتماع أمس بين وزير الشباب والرياضة اللبناني فيصل كرامي والشيخ سعود بن عبد الرحمن، كما من المقرر أن يجتمع الطرفان اللبناني والقطري الشهر المقبل في الدوحة لإجراء دراسة شاملة عن كيفية استفادة لبنان من القدرات التنظيمية القطرية.

مدير عام الشباب والرياضة في لبنان زيد خيامي أكد في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية على هامش الدورة قبول لبنان التحدي واستعداده لتنظيم دورة مختلفة، وأوضح: "نحن أمام تحد كبير، لأننا سنعمل على تقديم الدورة كأفضل ما يمكن، مشيراً في هذه الصدد: "سيكون لنا شرف الاستفادة الكاملة مما قامت والأشقاء القطريون أعلنوا استعدادهم لذلك، وسنبذل ما نملك من إمكانات وطاقات لحمل هذا الحدث إلى المستوى الذي يليق به".

المصدر :
التاريخ :