الدكتور ميشيل حنانيا التحكيم زرع فيّ روح المقاتل الفلسطيني

الخليل- كتب فايز نصّار/ يفخر الشعب الفلسطيني بأنّ الظروف القاسية التي يعيشها ، لم تمنع أبناءه من الانتشار في كلّ أرجاء المعمورة ، طلباً للعلم ، وبحثاً عن التفوق ، من خلال نيل أعلى الشهادات ، التي تحافظ على الموروث الحضاري لشعب فلسطين .
  ولم يقتصر هذا السعي على التفوق في الجامعات ، حيث استغل كثير من شباب فلسطين وجودهم في الغربة لتنمية مواهبهم في الفنون المختلفة ، ومنها رياضة كرة القدم ، التي عرفت تفوق كثير من أبناء فلسطين ، كلاعبين ، ومدربين ، وصحفيين ، وحكام .
   وشهد قطاع التحكيم بروز عدد من الحكام الفلسطينيين في مختلف البلدان ، ومنهم على سبيل المثال كمال الناجي ، وسمير خوري في الخليج العربي ، وإيهاب الأغا في بولندا ، ومنهم أيضا الدكتور ميشيل حنانيا ، الذي ارتقى أعلى المراتب التحيكيمة في هنغاريا .
   وكانت مواهب أبي شكري تفتحت في مركز السالزيان التلحمي ، حين برز كحارس مرمى ، مع محاولات جريئة في حمل الصافرة منذ كان في مدرسة تراسنطا .
   ونضجت تجربة الدكتور ميشيل في بلاد المجر ، مستفيداً من المحيط التحيكمي المتطور ، وراح يشارك في الفعالات التدريبية ، التي أهلته ليصبح حكماً شارك في قيادة كثير من المباريات .
 ولما عاد الرجل التلحمي إلى البلاد أخذه عمدة حكام بيت لحم أحمد حسان إلى سلك التحكيم الفلسطيني ، فكان عند حسن الظن به ، حتى حمل الشارة الدولية ردحاً من الزمن .
   ولم يسترح فارس الصافرة بعد الاعتزال ، وشارك في عدة دورات دولية ، جعلته يصبح محاضراً ومقيماً ساهم في تطور كثير من الحكام الفلسطينيين والآسيويين .
    لا يختلف اثنان على دماثة خلق أبي شكري ، الذي نقل لي تفاصيل حياته في الملاعب ، ولم يخجل من التطرق لبعض الأحداث الخارجة عن النص ، التي سجلها ضمن فصول قصته المثيرة .

- اسمي ميشيل شكري ميشيل حنانيا " أبو شكري" من مواليد بيت لحم يوم 24/4/1968 ، متزوج وأب لثلاثة أطفال " ولد وبنتين " ، وأحمل شهادة الدكتوراه في الكيمياء من جامعة بودابست التقنية.
- بدأت حياتي الرياضية حارس مرمى في مدرسة تراسنطا في بيت لحم ، قبل انضمامي لمركز شباب السالزيان ، الذي لعبت له منذ سنة 1980 ، وتدرجت معه في فرق البراعم ، والناشئين ، وصولاً إلى الفريق الأول ، حتى مغادرتي البلاد للدراسة في هنغاريا.
- وكانت بداياتي في التحكيم منذ كنت في نادي السالزيان ، من خلال مشاركتي البريئة في تحكيم مباريات الفرق الصغيرة ، عندما كان يطلب مني ذلك ، ومن يومها اكتشفت أنّ التحكيم هواية رائعة ، رغم أنني كنت أفضل لو كنت لاعبا.
- وبعد انتقالي الى مدينة بودابست الهنغارية لمتابعة تعليمي العالي ، اقتصر أدائي الرياضي على اللعب مع فريق الجالية الفلسطينية ، وفريق طلبة الجامعة ، وهناك حصلت على شهادتي البكالوريوس والماجستير ، ولمّا التحقت ببرنامج الدكتوراه ، وأتقنت اللغة الهنغارية ، لفت نظري اعلان في التلفزيون الهنغاري عن دورات في تحكيم كرة القدم ... وتزامن الأمر مع قيادة الحكم الهنغاري الشهير شاندور بول لنهائي كأس العالم سنة 1994 في امريكا ، حيث كان لهذا الحدث الأثر الأكبر في التحاق كثير من الشباب بسلك التحكيم.
 - وبعد عدد من الدورات النظرية والعملية ، وبعد اجتياز الامتحانات الرسمية ، تمّ تعييني كحكم مستجد ، وشاركت في  تحكيم العديد من المباريات لفرق الأشبال والناشئين ، ثم أصبحت حكما في الدرجة الرابعة ، قبل انتقالي بسرعة الى الدرجة الثالثة ، فالدرجة الثانية ، حيث تعلمت خبايا وخفايا التحكيم ، وتتلمذت على يدّ كثير من حكام هنغاريا العالميين ، لأصل سنة 1999 إلى الدرجة الأولى ، وأحكم العديد من المباريات ، قبل عودتي الى أرض الوطن نهاية العام 2000.
- ولم أكترث كثيرا بالتحكيم بعد عودتي، لانشغالي بترتيب حياتي العملية ، ولكن سنة 2002 جمعتني الصدفة بعضو اللجنة المركزية للحكام ، السيد أحمد حسان ، فتبادلنا أطراف الحديث ، ولمّا علم أنني حكم شجعني على الانضمام لسلك التحكيم ، وفور موافقتي طلب مني قيادة مباراة ودية ، للتعرف على مستواي التحكيمي ، وبعد المباراة مباشرة عرض عليّ الانضمام الرسمي للاتحاد ، وتصنيفي كحكم درجة أولى ، ومن يومها بدأ مشواري التحكيمي في الوطن .
- بعد ذلك عملت حكما في الدرجة الأولى ، وأدرت العديد من المباريات في الدرجة الممتازة ، ليتم ترشيحي لنيل الشارة الدولية سنة 2004 ، وبعد الاختبارات العملية ، والنظرية ، واختبارات اللياقة البدنية في دولة الامارات ، بإشراف رئيس لجنة الحكام الاسيوية آنذاك العميد فاروق بوظو تمّ اعتمادي حكماً دولياً ، وبقيت على القائمة الدولية حتى عام 2009 ، حيث فضلت الاتجاه الى تقييم الحكام ، والقاء المحاضرات.
- وفعلاً نجحت في تكوين طاقم تحكيمي جيد على مستوى فلسطين ، من أمثال الحكام المساعدين وليد شعيبات ، وحسن قطامش ، وأحمد جبريل ، ومنهم أيضا حكام الساحة موسى كنعان ، وحسين حمدان ، وقام هذا الطاقم بتحكيم العديد من المباريات القوية والحساسة ، وأنجح دربيات المناطق ، ومن أهمها ديربيات الخليل ، ورام الله ، وطولكرم .
 - بالنسبة لي المباريات القوية ، التي أدرتها كثيرة ، ولكن أهمها مباراة شباب الخليل والظاهرية ، في نهائي الكأس ، وستبقى هذه المباراة في ذاكرتي ، ويومها ساعدني طاقم دوليّ يضم مهيوب الصادق ، وحسين قطاطق ، ووليد الصالحي ، ولكن بصراحة لم أتمكن من تسجيل جميع مبارياتي ، على كثرتها ، واختلاف درجاتها.
- طبعاً لم تكن مسيرتي التحكيمية وردية ، وشابها أحياناً بعض المشاكل ، والأحداث الغريبة التي عصفت بها .. ومع الأسف فإنّ الحكم غالبا ما يكون هو الضحية والشماعة ، ففي احدى مباريات دوري " الاحتراف" ، وبينما كانت الأمور طبيعية ، وأحد الفرق يتقدم على منافسه بالنتيجة 5-1، تفاجئنا بحدوث شغب في الملعب ، وقام جمهور الفريق الخاسر بكسر أسوار الملعب ، والدخول الى ميدان اللعب دون سابق انذار ، وعلى مرأى رئيس الاتحاد ، سيادة اللواء جبريل الرجوب ، الذي لولا تدخله الشخصي السريع ، ونزوله الى أرضية الملعب ، لحدث ما لا تحمد عقباه .. ورغم  ذلك قفز أحد المشجعين إلى الملعب ، ووجه لي ضربة قوية على صدري ، مما أدى إلى حدوث شعر في ضلعين في القفص الصدري... وكان لهذه الحادثة صدى كبيرا ، مما جعلني أفكر مليا في اعتزال هذه الهواية الرائعة ، خاصة وأنني تعرضت قبلها أيضا لبعض الأحداث الأخرى ، وأشير هنا إلى أنّ الحكم ليس معصوماً لأنّه بشر، وقد يكون تطبيقه للقانون صحيحاً ، إلا أنّ الفرق ومشجعيها ، وقلة من ادارييها ترفض الهزيمة ، وتحمل المسؤولية للطاقم التحكيمي ، ومع الأسف لقد طالني تهديد ووعيد ، واتصالات فيها شتم وسبّ ،  وتوعد بالثأر مني.
- وبعد هذه الحادثة بفترة وجيزة اعتزلت التحكيم ، لأنضم الى مجال المحاضرات والتقييم ، بدعم من الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم ، فشاركت في دورتي محاضري ومقيمي الحكام في اليمن ، وسلطنة عمان ، بإشراف الاتحاد الدولي لكرة القدم ، وبعدها تمّ اختياري للالتحاق بدورات الاتحاد الآسيوي لكرة القدم ، في العاصمة الماليزية كوالالمبور ، وقمت باجتياز الاختبارات المطلوبة (القانون ، والمحاضرات ، واللغة والحاسوب) ليتم اختياري في العام 2010 كمحاضر ومقيم للحكام على مستوى القارة الآسيوية ، وأفتخر بكوني كنت لمدة سنتين أصغر محاضر ومقيم عمرا ، وبعدها توالت عليّ التكليفات الآسيوية لتقييم الحكام ، وإعطاء محاضرات للحكام الآسيويين حتى يومنا هذا ... وكلّ ذلك لم يمنعني من خدمة الوطن ، والتحكيم الفلسطيني ، حيث كنت محاضرا ومقيما للحكام ، بالإضافة إلى كوني عضواً في معظم لجان الحكام المركزية المتعاقبة ، التي وجدت تعاوناً من جميع العاملين فيها ، وخاصة من الكابتن عصام الشريف .
- أعتقد انّ هناك العديد من الحكام المميزين في الوطن ، وأذكر منهم براء أبو عيشة ، الذي سيكون له مستقبل واعد إذا أعطي الفرصة ، وهناك الحكم ناصر البلبول ، أمّا اسيويا فان الحكم الاوزبكي رافشان ايرماتوف ، والحكم الإيراني علي رضا من أميز الحكام ، بالإضافة الى بعض الحكام القطريين ، والحكم الأردني الناجح أدهم مخادمة.
- طبعاً يوجد فرق كبير بين حكم الأمس وحكم اليوم ، لأنّ التحكيم أصبح علما ، من خلال توفر جميع السبل التطويرية لحكام اليوم ، ومن أهمها المعلومة الصحيحة ، والاهتمام ، والملابس ، والمتابعة ، والأمان ، ليتمكن  الحكم من تطبيق القانون دون خوف أو تهديد ، وكل هذه الأمور الأساسية لم تكن متاحة لحكم الأمس ، الذي عبّد الطريق لحكم اليوم .
- أنا غير نادم ولا للحظة واحدة على انخراطي في سلك التحكيم ، بل افتخر بذلك واتباهى به ، حيث صقل التحكيم شخصيتي ، وزرع فيّ روح المقاتل الفلسطيني ، الذي يريد للدوري النجاح ، ولو على حسابه الشخصي في بعض الأحيان ، كما عرفني على أناس كثيرين من كافة البلدان والأقطار ،  وزاد من أصدقائي بالنوعية والكمية.
- يذخر المجتمع الرياضي الفلسطيني بحكام أكفاء ، حملوا على أكتافهم راية القيادة في التحكيم الفلسطيني ، وأذكر منهم على سبيل المثال المرحوم صايل سعيد ، والحكام إبراهيم الغروف ،  وطارق النقيب ، ووليد الصالحي ، وعبد الرؤوف أبو سنينة ، ومن المساعدين حسين طقاطق ، ومهيوب الصادق ، ومحمد الشيخ خليل .. وغيرهم ، والعذر لمن لم أذكرهم .
- أعتقد انّ للإعلام الرياضي الدور الكبير في إنجاح المنظومة الرياضية ، فهو جزء لا يتجزأ منها ، وأعتقد ان الإعلام ممثلا بأشخاصه غير منحاز ، وأصبح خبيراً في الأمور الفنية والتكتيكية ، ولا يقتصر دور الإعلام على التعليق على المباريات وترصيدها ، بل ينتقل الى التحليل والنقد البناء ، وأقترح أن تكون هناك دورات مكثفة للإعلام الرياضي ، في مواد القانون وتطبيقاته.
- أخيراً أمل من جميع الحكام العاملين السعيّ إلى تحقيق الذات ، من خلال التعليم المستمر ، والمحافظة على لياقتهم البدنية ، ليكونوا قضاة حقيقيين للملاعب ، وأدعو كلّ رياضي يرى في نفسه الرغبة في الانخراط في سلك التحكيم أن لا يتوانى عن ذلك ، لحمل الراية من الحكام الحاليين ،  لأنّ التحكيم رسالة وطنية بامتياز.

المصدر : بال سبورت
التاريخ :