شريط الأخبار

"اليابان آنموذجا"... النظافة ليست شعاراً يُرفع... بل ثقافة تُربّى عليها الأجيال...

اليابان آنموذجا... النظافة ليست شعاراً يُرفع... بل ثقافة تُربّى عليها الأجيال...
بال سبورت :  


كتب المهندس سامر نسيبة/ رئيس الاتحاد الفلسطيني للثقافة الرياضية


لفت نظري وأنا أتابع مباراة اليابان وهولندا في المونديال، مشهد حضاري يتكرر مع الجماهير اليابانية في كل محفل رياضي عالمي تقريباً، فبعد نهاية المباراة، لم يغادر المشجعون اليابانيون المدرجات كما يفعل كثيرون حول العالم، بل بقوا دقائق إضافية يجمعون النفايات ويضعونها في أكياس خاصة، تاركين المكان نظيفاً وكأن المباراة لم تُقم فيه أصلاً.

  هذا المشهد ليس استعراضاً إعلامياً ولا تصرفاً طارئاً، بل هو انعكاس لثقافة متجذرة في المجتمع الياباني... فالأطفال هناك يتعلمون منذ سنواتهم الدراسية الأولى أن تنظيف الصفوف والساحات مسؤولية شخصية وجماعية، وليست مهمة عامل النظافة فقط. ولهذا قال أحد المشجعين اليابانيين: "علينا أن نفكر بالجميع"، وهي عبارة تختصر فلسفة كاملة تقوم على احترام الآخرين واحترام المكان العام.

  لقد شاهد العالم هذا السلوك الراقي خلال مونديال قطر 2022، وها هو يتكرر اليوم ليؤكد أن القيم الحقيقية لا تتغير بتغير المكان أو المناسبة، فالنظافة لدى اليابانيين ليست حملة موسمية، بل أسلوب حياة، وجزء من التربية اليومية التي تبدأ في البيت وتترسخ في المدرسة وتنعكس في الشارع والملعب ومكان العمل.

  أما نحن العرب، فالسؤال الذي يفرض نفسه: متى ندرك أن النظافة ليست مسؤولية البلديات وحدها؟ متى نغرس في أبنائنا أن المحافظة على المرافق العامة واجب أخلاقي وحضاري؟ ومتى نتوقف عن التعامل مع الشارع والحديقة والملعب وكأنها ملك لأحد غيرنا؟

  إن الأمم لا تتقدم بالمال والتكنولوجيا فقط، بل بمنظومة قيم تحترم الإنسان والمكان. وما يفعله اليابانيون بعد كل مباراة رسالة بليغة للعالم مفادها أن الحضارة تبدأ من التفاصيل الصغيرة، وأن رمي ورقة في مكانها الصحيح قد يكون أحياناً أكثر تعبيراً عن الانتماء من آلاف الشعارات والخطب.

  فهل نتعلم الدرس؟ أم سنبقى نُعجب بالمشهد ونصفق له من بعيد، دون أن نحوله إلى سلوك يومي في مدارسنا وملاعبنا وشوارعنا؟

  وختاما: النظافة ليست شعاراً يُرفع... بل ثقافة تُربّى عليها الأجيال...!

مواضيع قد تهمك