شريط الأخبار

الموهبة مشروع وطن..!!

الموهبة مشروع وطن..!!
بال سبورت :  

كتب د. ناصر العباسي/ القدس

يعد التعلم من التجارب الناجحة وتطويرها بما يتناسب مع الإمكانات والظروف المحلية أحد أهم مقومات النجاح في مختلف المجالات، والرياضة ليست استثناءً من ذلك، بل لعلها من أكثر القطاعات التي تحتاج إلى التخطيط طويل الأمد والاستثمار المبكر في الإنسان.

ومن المشاهد الإيجابية التي تستحق التوقف عندها، انتشار الأكاديميات الكروية وانشغال أعداد متزايدة من الأشبال والشباب بالتدريبات، رغم الظروف الصعبة التي نعيشها، وفي ظل اجتياح التكنولوجيا لحياة الأجيال الجديدة، وما فرضته من أنماط حياة جعلت كثيراً من الأطفال أسرى الشاشات والألعاب الإلكترونية.

وهنا تبرز أهمية هذه الأكاديميات الكروية بوصفها مساحة لبناء الشخصية، وتعزيز الانضباط، وتنمية المواهب، إلى جانب الجانب الفني والبدني.

ولا أهدف هنا إلى تقييم الفوارق بين الأكاديميات من حيث المستوى الفني أو الإداري أو الأهداف الاستثمارية، وإنما التوقف عند تجارب عربية أثبتت أن الاستثمار في الفئات العمرية الصغيرة يمكن أن يتحول إلى مشروع وطني لصناعة لاعبين ورفد المنتخبات الوطنية.

التجربة الأردنية تقدم نموذجاً يستحق الدراسة، فقد شهدت الكرة الأردنية تطوراً لافتاً تُوج بالوصول إلى نهائي كأس آسيا 2023، ثم التأهل التاريخي إلى كأس العالم 2026 للمرة الأولى، ولم يكن هذا التطور وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم العمل الفني والإداري، والاهتمام بمراكز الأمير علي بن الحسين للواعدين، والفئات العمرية، إلى جانب الدور الذي أدّاه المدرب الراحل محمود الجوهري في تطوير البنية الفنية ووضع أسس أكثر تنظيماً للعمل الكروي، سواء على مستوى المنتخب أو اتحاد الكرة.

أما التجربة المغربية، فتقدم مثالاً أكثر وضوحاً على الاستثمار المؤسسي في المواهب، من خلال أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي أُطلقت عام 2009، ووفرت للاعبين بيئة متكاملة تجمع بين التدريب والتعليم والرعاية والتأهيل. وقد أسهمت في تخريج أسماء وصلت إلى مستويات احترافية متقدمة، وبالتوازي مع التطور اللافت للمنتخبات المغربية، والذي تجسد في إنجاز الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022.

وبالانتقال إلى واقع الكرة الفلسطينية، فإن انتشار الأكاديميات الخاصة وأكاديميات الأندية في مختلف محافظات الوطن، واستمرارها في أداء دورها رغم التحديات، يمثلان فرصة حقيقية ينبغي البناء عليها، من خلال متابعة اتحاد كرة القدم والإشراف الفني والإداري، ووضع معايير واضحة للترخيص والتقييم والتطوير.

ومن وجهة نظري، فإن المرحلة المقبلة تتطلب التفكير في إنشاء أكاديمية وطنية للموهوبين، أو تفعيل مشروع أكاديمية بلاتر، والاستفادة من المرافق الرياضية المتاحة، ومنها المنشآت القريبة من استاد ماجد أسعد في البيرة، ويمكن اعتماد نظام تجمعات موزعة جغرافياً في الشمال والوسط والجنوب، تتولى اكتشاف المواهب ورعايتها ومتابعتها بإشراف مباشر من اتحاد الكرة الفلسطيني، وصولاً إلى قاعدة بيانات وطنية للاعبين الواعدين.

إن كثيراً من المواهب الفلسطينية تظهر في الملاعب، لكنها سرعان ما تغيب عن المشهد، إما لغياب الاستمرارية أو محدودية فرص التطوير أو ضعف المتابعة، ولذلك فإن المطلوب ليس اكتشاف الموهبة فحسب، بل توفير الطريق الذي يضمن استمرارها ونضجها ووصولها إلى المستوى الذي تستحقه.

إن بناء مستقبل الكرة الفلسطينية لا يبدأ من المنتخب الأول وحده، بل من الطفل الذي يخطو أولى خطواته في الملعب، والأكاديمية الناجحة ليست مجرد مكان لتعليم كرة القدم، وإنما مشروع وطن لصناعة لاعب، وبناء إنسان، وإعداد جيل يمثل فلسطين بثقة واقتدار

مواضيع قد تهمك